عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
90
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
( الحكاية الثالثة والخمسون : عن الشيخ أبى الربيع المالقى رضي اللّه عنه ) قال : سمعت بامرأة من الصالحات في بعض القرى اشتهر أمرها ، وكان دأبنا أن لا نزور امرأة ، فدعت الحاجة إلى زيارتها للاطلاع على كرامة قد اشتهرت عنها ، وكانت تدعى بالفضة ، فنزلنا القرية التي هي بها ، فذكر لنا أن عندها شاة تحلب لبنا وعسلا ، فاشترينا قدحا جديدا لم يوضع فيه شئ ، فمضينا إليها ، وسلمنا عليها ، ثم قلنا لها : نريد أن نرى هذه البركة التي ذكرت لنا عن هذه الشاة التي عندكم ، فأعطتنا الشاة فحلبناها في القدح ، فشربنا لبنا وعسلا ؛ فلما رأينا ذلك سألناها عن قصة الشاة ، فقالت : نعم كانت لنا شويهة ونحن قوم فقراء ولم يكن لنا شئ ، فحضر العيد ، فقال لي زوجي وكان رجلا صالحا : نذبح هذه الشاة في هذا اليوم ، فقلت له : لا تفعل فإنه قد رخفص لنا في الترك ، واللّه تعالى يعلم حاجتنا إليها ، فاتفق أنه استضاف بنا في ذلك اليوم ضيف ، ولم يكن عندنا قرى ، فقلت له : يا رجل هذا ضيف ، وقد أمرنا اللّه بإكرامه ، فخذ تلك الشاة فاذبحها ، قالت : فخفنا أن تبكى عليها صغارنا ، فقلت له : أخرجها من البيت إلى وراء الجدار ، فاذبحها فلما أراق دمها قفزت شاة على الجدار ، فنزلت إلى البيت ، فخشيت أن تكون قد انفلتت منه ، فخرجت لأنظرها فإذا هو يسلخ الشاة فقلت له : يا رجل عجبا ، وذكرت له القصة ، فقال : لعل اللّه تعالى أن يكون قد أبدلنا خيرا منها ، فكانت تلك تحلب اللبن ، وهذه تحلب اللبن والعسل ببركة إكرامنا الضيف ، ثم قالت : يا أولادي إن شويهتنا هذه ترعى في قلوب المريدين ، فإذا طابت قلوبهم طاب لبنها ، وإن تغيرت تغير لبنها فطيبوا قلوبكم يطب لكم كل شئ طلبتموه رضى اللّه عنها ، قلت : وقد سألني بعض أهل العلم والأخبار : ماذا تعنى بالمريدين ؟ فظهر لي واللّه أعلم أنها تعنى بالمريدين نفسها وزوجها ، ولكن أطلقت لفظا ظاهره العموم مع إرادة التخصيص تسترا وتحريضا للمريدين على تطييب قلوبهم ، إذ بطيب القلوب يحصل كل طيب محبوب من الأنوار والأسرار ، ولذة العيش بمنادمة الملك الغفار ؛ والمعنى : لما طابت قلوبنا طاب ما عندنا ، فطيبوا قلوبكم يطب لكم ما عندكم ، ولو لم يكن الأمر كذلك بل المراد عموم المريدين ، لكان يطيب اللبن من سائر الغنم ، ولو خبث قلبهما لما نفعهما طيب قلوب المريدين ، وإذا طاباهم لم يضرهما خبث قلوب المريدين ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم .